مقالة – وقفات مع ثورة ميدان التحرير

ليس مستقبل مصر مرتبطا بحزب.. ولا قوة سياسية تقليدية أو عسكرية، بل بوعي الشعب ووعي قياداته من جيل الشبيبة

21

ثورة الشعب في مصر جسدت طاقة جيل المستقبل ولن تقضي عليها عقلية عسكرية فاسدة وحسابات إقليمية ودولية من القرن الماضي، فقد استيقظ العملاق الشعبي في ميدان التحرير يوم ٢٥/ ١/ ٢٠١١م وما زال حيا يتلقى الضربات المضادة المنتظرة من حلف شيطاني ماكر، إنما هي ضربات الجولة الأخيرة قبل عصر التغيير الثوري، ولا يمكن أن تعبر قطعا عن عودة الحياة إلى جسد فاسد مهترئ.
هي مرحلة عصيبة.. ولكنها مرحلة فحسب، ومن أراد استشراف المستقبل بعدها عليه التأمل فيما كان منذ المرحلة الأولى لانطلاقة الثورة بعد مقدمات وإرهاصات سابقة، وهذه كلمات مما واكب الثورة الشعبية التاريخية في مصر خلال الأعوام الماضية.

ثورة تاريخية.. (من مقال يوم ١٢/٢/ ٢٠١١م)
سيقف المؤرخون وسواهم من علماء السياسة والاجتماع طويلا أمام ذلك الحدث الكبير، النصر الذي تحقق في مصر يوم 8/3/1432هـ و11/2/2011م.. فما تحقّق في مصر على أيدي شعب مصر، ومن خلال تضحياته وعزيمته وصموده ووعيه، أكبر بكثير من أن يوصف بحدث من الأحداث التاريخية العابرة، بل هو دون ريب المنطلق لصناعة حقبة جديدة من حقب التاريخ.. تاريخ مصر والمنطقة العربية والإسلامية وموقعها على خارطة العالم وتأثيرها فيه.
ليس مستقبل مصر مرتبطا بحزب.. ولا قوة سياسية أو عسكرية، يضع نفسه أو تضع نفسها في محور صراع على مكاسب الثورة، بل مستقبل مصر مرتبط باستمرار وعي الشعب وقياداته من جيل الشبيبة، والمضي وفق طريق ذلك النموذج الجديد الفريد للتفكير والتدبير.. القادر على صناعة ثورة، والقادر أيضا على بناء دولة، والقادر بإذن الله على أن يواجه أي خطر محتمل على طريق انتصار الثورة وقيام الدولة.
 
ألغام على الطريق (من مقال ١٤/٣/ ٢٠١١م)
لا يستهان بأهمية الفترة الزمنية الفاصلة ما بين البداية والحصيلة، فهنا تُزرع حقول الألغام، ليس من جانب قوى ما قبل الثورة فقط أو ما يوصف بالثورة المضادة عادة (وفي التعبير تناقض فما يصنعون: ردّة، وليس ثورة) بل من جانب القوى المستفيدة من وقوع الثورة أيضا، أي من يشارك فيها بعد اندلاعها، مسرعا أو متأخرا. 
هنا يكمن فارق حاسم على صعيد التعامل مع الثورة والتأسيس لحقبة التغيير المنبثقة عنها..
(1) بين "النواة" التي صنعت الثورة، فهي المعيار للإخلاص ووضوح الهدف وقوة الدفع باتجاه التغيير.. ويسري هذا بالنسبة إلى مصر على ما يوصف بالقيادات الشبابية..
(2) وبين من سار معها، وهؤلاء لا يمثلون كتلة متجانسة، ولهم بدرجات متفاوتة جزء من الفضل أثناء الثورة في تمكينها من تجاوز العقبة الأولى في اتجاه التغيير، وهم في مصر من يوصفون بقوى المعارضة التقليدية في فترة الحكم السابق المنهار، أي الأحزاب والجماعات والشخصيات المتعددة المشارب
.
السيادة للشعب.. فقط (من مقال ٢١/ ١١/ ٢٠١١م)
ليس المطلوب من الجيش ليكون "جيشا وطنيا" بحق، أن يتولّى حماية الثورة، فهذه مهمة الشعب صانع الثورة، ومهمة الجيل الذي صنع هذه الثورة، إنّما المطلوب من الجيش أن يتخلّى عن حماية الاستبداد، وبقايا الاستبداد، والموروث من موبقات الاستبداد، فتلك هي رسالة الثورة.
ولا يمكن أن يكون الجيش في أي دولة معتبرة، في مرحلة التغيير أو في مرحلة الاستقرار، هو مصدر صياغة قوالب (سيّان ما قيمتها بميزان الخطأ والصواب) للدستور.. والقوانين.. والانتخابات.. وأي ميدان آخر من ميادين السياسة، القضائية والتشريعية والتنفيذية، فجميع ذلك هو في صميم ما تعنيه "السيادة الشعبية" و"مشروعية الثورة" التي صنعها الشعب.
ولا يكتسب الجيش صفة "الوطنية" من خلال دخوله في "تحالفات" (سواء كانت قويمة أو انتهازية) مع هذا الحزب أو ذاك، ومع هذا الاتجاه أو ذاك، للتأثير على "اتجاه" ما ستكون عليه صيغة الدولة بعد الثورة.. ثم تحويل تلك المساومات والتحالفات المشبوهة إلى أداة لتحقيق غرض آخر، يجعل من قيادات الجيش واقعيا مجرّد طبقة من طبقات هيمنة الأثرياء مع الاستغلال والفساد، بذرائع مرفوضة جملة وتفصيلا، ولا يوجد أي جيش في أي دولة معتبرة في عالمنا المعاصر، ارتبطت قوته الضاربة بفصل "ميزانيته" عن الميزانيات العامة.
 
ثغرات ودروس من مصر لسورية (من مقال ٣/ ٦/ ٢٠١٢م)
1- صنعت مجموعات الشباب الثورة في مصر فكانت أشبه بالمعجزة.. ولم تصنع لنفسها كيانا سياسيا فوقعت الحصيلة في أيدي سواها.. بغض النظر عن موازين الإخلاص والكفاءة، ولهذا يجب العمل في سورية الثورة "الآن"، لسدّ ثغرة غياب "كيان ثوري سياسي" من صنع الثوار مباشرة.
2- تفرّقت مجموعات الشباب الثائرة في مصر على التجمعات السياسية التقليدية الكبيرة والصغيرة، فأفلتت زمام قيادة الثورة، ولا لوم في ذلك بموازين "غياب الخبرة العملية"، ولكن هذا بالذات ما يستدعي تلاقي الثوار الآن مع "المخلصين" من ذوي المعرفة أو الخبرة العملية، للعمل على إيجاد الشروط الموضوعية لدى أكبر عدد ممكن من أفراد الجيل الذي يصنع الثورة في سورية، كي يكون قادرا على صناعة القرار أثناء الثورة وعبر المرحلة الانتقالية حتى استقرار دعامات الدولة من بعد.
3- ارتكبت التجمعات السياسية التي أمسكت بزمام الثورة في مصر أخطاء كبيرة في مسار الفترة الانتقالية للوصول بالثورة إلى أهدافها، وهو ما يمكن تلخيصه بعبارة: "افتقاد الرؤية السياسية الشاملة للثوابت كأهداف بعيدة وللأهداف المرحلية بحيث لا تتعارض مع تحقيق الأهداف البعيدة".. وهذا ما يجب أن تتلاقى عليه قوى المخلصين من الثوار والمفكرين والسياسيين في مسار الثورة السورية، لتكون الثوابت والأهداف البعيدة والقريبة -منذ الآن- واضحة كلّ الوضوح، على محور تحرير الإرادة الشعبية تحريرا ناجزا، وبصياغة محكمة بعيدة عن التعميم وما يسمّى التوافق على "الحدّ الأدنى المشترك".
4- قبل السياسيون التقليديون في مصر الثورة بكثير من "الحلول الوسطية" التي تبقي على أجهزة حسّاسة، ومراكز قوى فاعلة، وقيادات مؤثرة، من العهد الذي قامت الثورة للقضاء على "جذوره وفروعه"، فكانت هذه الحلول "الوسطية" من الثغرات الأخطر على مسار الثورة في المرحلة الانتقالية، ولا ينبغي للثوار والسياسيين المخلصين في ثورة سورية أن يتركوا أيّ مجال للمساومة مع القوى العربية والدولية تخصيصا، لاستبقاء شيء من النظام الاستبدادي المتهالك، تحت عناوين شتّى من قبيل "وقف إراقة الدماء بأي ثمن"، فالثمن أكبر وينطوي على الغرق في مزيد من الدماء، أو من قبيل "الحل على الطريقة اليمنية" فهو على أرض الواقع "الحل على طريقة اختطاف الثورة اليمنية".
5- كانت وحدة الثوار في مصر على هدف واحد هو "إسقاط النظام" وكان يقال إنّ طرح أهداف أخرى قد يؤدّي إلى شقّ الصفوف.. و"سقط النظام" وإذا بالأهداف الأخرى تشقّ الصفوف إلى درجة استعداء بعض الأطراف، وملاحقة أطراف أخرى، من مجموعات الثوار الشباب أنفسهم. وربّما كان العذر في ثورة مصر "سرعة" سقوط النظام الاستبدادي، ولكن لا عذر في ثورة شعب سورية يسوّغ عجز من تصدّى لصناعة تنظيمات عديدة (هيئات ولجان ومجالس واتحادات وكتائب.. إلى آخره) لقيادة الثوار في الميدان، أن يستمر فيما بينها حتى الآن العجز عن التلاقي على القواسم الثورية المشتركة -القائمة في الأصل- ليرتفع مستوى أدائها جميعا من خلال تضافر الجهود حول هذه القواسم المشتركة، ومن خلال اقترانها برؤى وممارسات سياسية مشتركة. 

نبيل شبيب

 

التعليقات مغلقة.