مطالعة – كرويتورو وباومجارتن: كتابان بعنوان حماس

حماس بعيون ألمانية

الكتابان نموذج من ساحة “صناعة الرأي العام” في ألمانيا حول قضية فلسطين

0 29

مع ازدياد ظهور دور الدولة الألمانية في متابعة قضية فلسطين، يمكن استقراء اتجاه الريح في مستقبل السياسة الألمانية تجاه القضية، وقد وضعت أوروبيا عبر منظور غربي إلى حماس بالذات، ولا يمكن استشراف الكثير من  استشراف اتجاه الريح على صعيد الرأي العام، إذ ما يزال الموقف السلبي غالبا على وسائل الإعلام، من قبل الانتخابات النيابية الفلسطينية الفاصلة بشأن ظهور شعبية حماس، وآنذاك تناول عدد من الكتب الألمانية الموضوع من زوايا عديدة، منها المترجَم ومنها بأقلام ألمانية، وركّز بعضها الحديث على منظمات المقاومة الإسلامية. وبين أيدينا كتابان نموذجيان، أحدهما أقرب إلى استثارة عداء الرأي العام بالأسلوب التقليدي لربط اسم حماس وجميع ما تصنع بمسألة العنف غير المشروع وفق المنظور الغربي، والثاني أقرب إلى الحدّ الأقصى الذي يمكن أن تمضي إليه المواقف الإيجابية، فيكشف واقعيا عن “سقف” تلك المواقف المحتملة.

الكتاب الأول بعنوان “حماس- الصراع الإسلامي على فلسطين”، مؤلّفه “يوزيف كرويتورو”، يهودي الديانة، من مواليد حيفا عام ١٩٦٠م، درس التاريخ وامتهن الصحافة، ويعيش في ألمانيا منذ عام ١٩٨٨م، ويكتب في القسم الثقافي من كبرى الصحف اليومية الألمانية “فرانكفورتر آلجيماينه”، وكان من كتبه “الشهادة كسلاح- الجذور التاريخية للعمليات الانتحارية” صدر عام ٢٠٠٣م، أما الكتاب الذي بين أيدينا فقد صدر عام ٢٠٠٧م، في ٢٥٤ صفحة من القطع المتوسط.

الكتاب الثاني بعنوان “حماس- الإسلام السياسي في فلسطين”، مؤلفته “هيلجا باومجارتن”، من مواليد ١٩٤٧م، درست العلوم السياسية، وتدرّسها منذ سنوات عديدة في جامعة بيرزيت الفلسطينية، وتعيش في القدس الشرقية، وقد بلغت شهرة عالمية عبر ما طرحته سابقا حول “الحركة الوطنية الفلسطينية” والتحوّلات في اتجاه الديمقراطية. وصدر كتابها الجديد أواخر عام ٢٠٠٦م، في ٢٥٦ صفحة من القطع المتوسط.

ويتبين من العنوانين مبدئيا تركيز الكتاب الأول على طرح منظمة حماس من مدخل “استخدام العنف”، والثاني من مدخل “الموقع السياسي” للمنظمة الإسلامية.

الفصول الثلاثة الأولى في كل من الكتابين تتناول الجذور الإسلامية والتاريخية لحركة المقاومة الإسلامية حماس، فهي بمثابة المقدمة الطويلة للقارئ الألماني، وبالتالي لتوجيهه وفق “المعلومات” التي يريد كل من الكاتبين تثبيتها منطلقا للموقف من حماس بعد وصولها إلى السلطة.

أوّل ما يلفت النظر تركيز كتاب كرويتورو على تعبير “الحرب المقدسة”، وهو ما كان شائعا بالألمانية في ترجمة كلمة “الجهاد”، فيصرّ الكاتب على اعتباره “حربا مقدسة إسلامية” مما يربط الكلمة في ذهن القارئ بتعبير “الحروب المقدسة” الكنسية في العصور الوسيطة الأوروبية، رغم ظهور كتابات ألمانية كثيرة تبين المعنى الشامل لكلمة الجهاد لغويا وشرعيا، والتمييز بينها وبين كلمة قتال أو حرب، التي ورد في القرآن يصددها أنها “كره لكم”، وإن ندر الحديث بالألمانية عن أحكام الجهاد وآدابه الشرعية وسبله المتعددة، فبقي بالتالي من السهل وصف عمليات عنف غير مشروع بأنها من “الجهاد”، والمقصود هنا تعميم عدم مشروعية العمليات المسلّحة لمنظمة المقاومة الإسلامية حماس وسواها من المنظمات الإسلامية، مع تسميتها جهادا، وبالتالي تعليل المواقف الغربية إزاء المنظمة وإزاء المقاومة الفلسطينية عموما، وهو جوهر ما تعتمد عليه السياسات الرسمية أمام الرأي العام الغربي.

الملاحظة الثانية على الجانب التاريخي هو ربط حماس بجذور نشأتها من جماعة الإخوان المسلمين، بعد أن رُبط اسم الجماعة في الغرب عموما، بالتطرف تحت عنوان الإسلام، وهنا يبدأ ظهور الفارق الأول بين كتاب كرويتورو وكتاب باومجارتن، فالأول يركّز في استعراضه التاريخي واستشهاداته العديدة على عنصر الجهاد واستخدام العنف و”استغلال” قضية فلسطين من جانب الإخوان في مصر مبكرا “لخدمة أغراضهم الذاتية”، بينما يميل الكتاب الثاني إلى استعراض صورة أشمل، تتناول رؤية الإخوان المسلمين في مصر وفلسطين وسواها إلى التغيير الاجتماعي، فتعزو دخول عنصر الجهاد لديهم إلى مفعول الأحداث التاريخية التي رافقت نشأة الجماعة وانتشارها في مصر وفلسطين وسواهما، وفي مقدمة ذلك الاستعمار وسياساته وممارساته.

ويبرز الكتابان إخفاق محاولة خليل الوزير أن يدفع الإخوان في فلسطين إلى تأسيس “منظمة مسلحة علمانية” وتحوله عقب ذلك إلى المشاركة في تأسيس فتح، مما يعتبر في الكتابين حجر الزاوية للنزاع بين الطرفين في مراحل لاحقة، لا سيما بعد نشأة حماس في رحم الانتفاضة الأولى، بينما يؤكد كرويتورو أن حماس تحركت بطريق العنف فور استكمال استعداداتها سرا، ويغفل ذكر العديد من الأحداث بين الانتفاضتين بشأن الاعتقالات الإسرائيلية وعملية الإبعاد الجماعي لقيادات حماس قبل إقدامها على عمليات مسلحة، وتبرز باومجارتن هذه الممارسات، فتعطي بصورة غير مباشرة المسوّغ الذي دفع حماس إلى المقاومة المسلحة، علاوة على إبراز بقاء تلك العمليات موجهة للعسكريين والمستوطنين الإسرائيليين سنوات عديدة، إلى أن دفعت سياسات الاعتقال والبطش الإسرائيلية إلى توسيع نطاقها في عهد رابين.

ويعرض الكتابان الخلاف الجوهري بين حماس وفتح على أنه خلاف بين ما يسمى “حل الدولتين” وهدف “الدولة الإسلامية بفلسطين” ثم يختلفان في أسلوب عرض هذا الخلاف، فيضعه الأول مثلا تحت عنوان “عرقلة السلام” بينما تخفف باومجارتن من “وطأة الصورة” على القارئ الغربي باستشهادها مثلا أن الدولة الإسلامية كما تدعو حماس إليها تؤكد وفق ميثاقها على حقوق غير المسلمين وحرياتهم، وبيانها مثلا آخر أن “العمليات الانتحارية” لم تبدأ إلا بعد مذبحة المسجد الإبراهيمي في الخليل، وأسلوب تعامل السلطات الإسرائيلية معها حمايةً لمرتكبيها وملاحقةً للفلسطينيين سكان المدينة، وتعزّز الكاتبة الألمانية ما تطرحه باستشهادات عديدة من دراسات إسرائيلية.

تعامل حماس مع أوسلو في الكتاب الأول تعامل قائم على ممارسة العمليات المسلحة لتقويض مساعي السلام، مع تركيز كبير على مصادر تمويل حماس، واعتماد المصادر الإسرائيلية في الدرجة الأولى لدعم الصورة المنتشرة في الغرب عموما، أنّ جمع التبرعات لأغراض إنسانية واجتماعية وثقافية ليس إلا للتغطية على تمويل العمل المسلح، بينما تفصل مؤلفة الكتاب الثاني الحديث عن المحاولات المتكررة من جانب حماس لوقف العمليات الاستشهادية مثلا مقابل وقف الهجمات الإسرائيلية، وبيان أن إخفاقها كان نتيجة التعنت الإسرائيلي باستمرار. وبقدر ما يعرض كرويتورو ممارسات حماس بعد تشكيل السلطة الفلسطينية أنها لتقويض السلام، تعرض باومجارتن ما تعرّضت له المنظمة من ملاحقات السلطة إلى جانب الهجمات الإسرائيلية.

ويحاول كرويتورو من خلال فصل كامل تفريغ الجانب الاجتماعي والإصلاحي لحماس -لا سيما أثناء الانتخابات البلدية والنيابية- من محتواه، ويسلك لذلك سبلا عديدة، ولكن يصعب اعتبارها محاولة ناجحة، فمعظم تأويلاته للشعارات والأطروحات الانتخابية، ونوعية المرشحين من مختلف الفئات الشعبية لا سيما من الخريجين الجامعيين، لا تتجاوز حدود توجيه الاتهام بالتضليل واعتماد “استراتيجيتين”، وهو ما ينعكس مثلا في عنوان إحدى فقراته “وجوه جديدة وارتباطات قديمة” وعنوان أخرى “المعركة الانتخابية كحرب مقدسة”، ويسري هذا على محاولة ربط حماس بمنظمة حزب الله في لبنان، إلى درجة القول إن افتتاح فضائية جديدة إنّما هو تقليد لها أيضا، ويختم كتابه بأنّ التقارب المتنامي لحماس مع المنظمة ومع سورية وإيران يضع المنطقة أمام احتمالات خطيرة ويعزز المخاوف من غلبة “المتطرفين” في العالم العربي على توجيه الأحداث، أما تعامل رئيس السلطة عباس ومنظمة فتح وكذلك الحصار الخارجي، فلا يأخذ في هذا الفصل الختامي سوى موضع السرد، مع محاولة طرح المسوغات، لا سيما عدم تخلّي حماس عن المقاومة.

على النقيض من هذه الصورة تطرح باومجارتن عنصر الدور الاجتماعي والتطويري لحماس أنّه العامل الحاسم في نجاحها انتخابيا، وتؤكّد أنّ البلديات التي أصبحت تحت إدارة مرشحيها أصبحت تعمل بصورة مهنية على أفضل صورة، وتكشف في الوقت نفسه أن الحصار الأمريكي-الأوروبي لا يقوم على أساس تقويم موضوعي إلى درجة قطع المساعدات مثلا عن بلدية بيت لحم لأن الفائز برئاسة مجلس بلديتها، وهو مسيحي من الجبهة الشعبية الديمقراطية، يحظى بتأييد حماس.

وتعزو الكاتبة نجاح حماس إلى “الأسباب الموضوعية المعروفة في أي انتخابات ديمقراطية” أي إخفاق حزب حاكم فضلا عن انتشار الفساد، وإعطاء الفرصة لحزب معارض أثبت وجوده شعبيا، علاوة على أن حماس تمثل عنصر المقاومة مقابل تمثيل فتح لعنصر الحلول الوسطية غير المجدية على امتداد عشرة أعوام سابقة على الأقل. وتعتبر المؤلفة الحصار تضييعا لفرصة ذهبية للتأثير على حماس بعد تشكيل الحكومة، وتعزز ذلك بتعداد صيغ انفتاح جزئي لحماس على مطالب ما يسمى اللجنة الرباعية الدولية، لا سيما من حيث التزام حماس منذ فترة طويلة بالامتناع عن العمليات المسلحة “الهجومية”، واستعدادها لهدنة طويلة الأمد.

وتنتهي المؤلفة إلى خاتمة للكتاب بعنوان “نظرة مستقبلية.. لا يمكن للغرب تجاوز وجود حماس”، وتستند في ذلك إلى عرض الهدنة وإلى ازدياد التركيز في مواقف حماس على حدود ١٩٦٧م، لتطالب الاتحاد الأوروبي بالتفاوض مع الحكومة الفلسطينية المنتخبة، وتعزو السياسة الأوروبية المعادية إلى الخوف المرضي من الإسلام / إسلامفوبيا، وقد أصبح يهدد بانتشار هذه الظاهرة على غرار انتشار ما يسمّى العداء للسامية، وتؤكد أنه لا مناص من إنهاء الاحتلال (عام ١٩٦٧م) فإن لم يكن في ذلك حلول لجميع مشاكل المنطقة، إلا أنه لا غنى عنه للبحث عن تلك الحلول مستقبلا.

اعتبار الكتابين نموذجا على ما تشهده ساحة “صناعة الرأي العام” في ألمانيا، يقوم على رصد نشوء ثغرات كبيرة في الصيغة العدائية السابقة، دون غيابها تماما، ولكن علاوة على اضمحلال تأثير حججها بدأت تظهر أصوات أخرى لم تكن تظهر من قبل، وهذا ما يمكن رصده على مستوى السياسة الأوروبية نفسها، فما جمع الدول الأوروبية على عداء حماس قبل سنوات، بدأ يتزعزع بوضوح في الوقت الحاضر، وقد يرتبط تطوّره مستقبلا إلى حدّ كبير بمدى نجاح حماس أو إخفاقها في انتزاع مواقف عربية جديدة، تتجاوز القول بعدم “تعديل مبادرة بيروت”، إلى تعديل السياسات العربية نفسها.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.