محاضرة – ما قبل طوفان الأقصى

محاضرة عن بعد - مكناس ١٧ / ٢ / ٢٠٢٤م

بدعوة جمعية العمران الوطنية للتوعية والتأهيل في مكناس

0 3
٤٢ دقيقة = من الدقيقة ١٠ إلى الدقيقة ٥٢

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبعد،

فأشكر مجددا جمعية العمران الوطنية للتوعية والتأهيل على ما تبذل من جهود متواصلة في ميادين متعددة، وأشكرها أيضا على دعوتها الكريمة للحديث إليكم في ثلاث حلقات، عنوان الأولى: ما قبل طوفان الأقصى، وعنوان الثانية: ما بعد طوفان الأقصى، وعنوان الثالثة: العدالة الدولية بين النظرية والتطبيق، ولا تخفى علاقتها بمسار الدعوى التي تقدمت بها دولة جنوب إفريقية لمحكمة العدل الدولية بشأن ممارسة الإبادة الجماعية في الحرب الجارية على أرض فلسطين.

* * *

في الحلقة الأولى هذا اليوم أتناول بإيجاز إن شاء الله معالم كبرى، تمهّد للحوار عبر تعقيباتكم وأسئلتكم:

المعلم الأول قبل طوفان الأقصى: تزييف المسار القانوني الدولي بفلسطين وشعبها 

المعلم الثاني قبل طوفان الأقصى: تصعيد الممارسات العدوانية ضد المقدسات في عموم فلسطين

المعلم الثالث قبل طوفان الأقصى: تغييب هدف إقامة دولة وحتى مجرد دويلة للفلسطينيين

المعلم الرابع قبل طوفان الأقصى: مقدمات لعملية طوفان الأقصى

* * *

المعلم الأول قبل طوفان الأقصى: تزييف المسار القانوني الدولي بفلسطين وشعبها    

انتشر مؤخرا كثير من الجدل حول المقصود بكلمات معينة، مثل الهدنة والهدنة الإنسانية، ووقف القتال، وإنهاء الحرب أو وقف العدوان، وغيرها، ولا يوجد من يلتزم اصطلاحيا بمفهوم محكم لكل كلمة على حدة، بل يستخدمها من الزاوية التي يعتقد أنها تحقق أهدافه، وقد يزيد ضبابيتها عبر التوصيف، كالهدنة الإنسانية أو الأعمال القتالية والأعمال العدائية.

هذا نموذج على الاستخدام العبثي للمصطلحات بما يساهم في تكوين تصورات غير صحيحة، عند أصحاب القضية ومن يتابعها، ولا يتعلق هذا العبث بالحدث الآني فقط، بل يترك أثره في طريقة العمل المباشر وطريقة تحديد موقف من عامة الأحداث، وكثيرا ما يؤدي إلى انحراف التعامل معها عن معايير العدالة والحق.

في المسار التاريخي لقضية فلسطين يمكن تمييز أثر هذه الظاهرة في نشأة عدة مفاصل على منحدر التراجع الرسمي في التعامل مع القضية. هذا ما يرتبط بأحداث سنوات محددة، ١٩٤٨ و١٩٦٧ و١٩٧٤ و١٩٧٨م.

بالمقابل يتطلب رؤية توظيف ضبابية المفاهيم عمدا وأن نضع ذلك في الميزان، عندما نحدد رؤيتنا أو نطلق أحكامنا، على ما ظهر في مسارات أخرى تبدو معاكسة لمنحدر التراجع الرسمي، مثل انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني عام ١٩٦٠م، والانتفاضة الفلسطينية الأولى نهاية عام ١٩٨٧م، والثانية باسم انتفاضة القدس عام ٢٠٠٠م.

هذه الرؤية لطريقين متعاكسين تتكرر الآن، فنراها عندما نضع ما يوصف بالهرولة نحو التطبيع دون ثمن، مقابل الوصول إلى حدث طوفان الأقصى آخر عام ٢٠٢٣م.

إن استيعاب مسار القضية وتموضع الأحداث يفرض على الباحث والمتابع الواعي ألا يفصل علاقة كل حدث بسواه مما يلحق به أو يعاكس مساره، في مجرى تاريخ قضية فلسطين في الماضي وما نعاصره في الحاضر وما نستشرفه للمستقبل.

إننا نشهد العبث المقصود بالمصطلحات والمفاهيم أيضا عندما نتابع الاستخدام المتعمد لتوصيف الإرهاب، بدلا من مصطلح المقاومة وفق تعريفها بموجب نصوص مصنفة بأنها من القانون الدولي، مثل حق تقرير المصير للشعوب، وهو حق قانون دولي أساسي في نص ميثاق الأمم المتحدة، ويُنتهك عبر العدوان أو احتلال الأرض بالقوة غير المشروعة، وعند ذلك تكون المقاومة مشروعة بما فيها المقاومة المسلحة، ضد استخدام القوة من جانب جهة الاحتلال أو العدوان.

هذا وفق اتفاقية لاهاي من عام ١٩٠٧م، السارية المفعول منذ صدورها عن سلسلة مؤتمرات السلام في هولندا، وهذا أيضا ما يسري على المقاومة الفلسطينية وفق القرار الأممي رقم ٣٢٣٦، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم ٢٢ / ١١ / ١٩٧٤م، بموافقة ٨٩ صوتاً مقابل رفض ٨ وامتناع ٣٧، وقد حمل هذا القرار عنوان حقوق الشعب الفلسطيني.

هذا إطار عام يمكن اعتباره أساسا لمعاير تقويم الأحداث وتصنيفها، مثل الهدنة العسكرية التي أوقفت القتال في نكبة المرحلة الأولى من اغتصاب الأرض واحتلالها سنة ١٩٤٨م، وقد عقدت الهدنة بين العسكريين، وحرصت الأنظمة العربية المعنية آنذاك على استبقاء هذا الوضع وعدم تحويله إلى هدنة سياسية أو اتفاقية سياسية، فها يمكن يمكن استغلاله للترويج لادعاء يقول باعتراف قانوني أو واقعي بإسرائيل كدولة.

وقد استمر هذا الحذر الرسمي مرفقا بطرح هدف تحرير أرض فلسطين بكاملها، حتى وقعت النكبة العسكرية الثانية سنة ١٩٦٧م، فبدأ بمفعول القوة وليس بمفعول القانون الدولي منحدر انتهاك ما كان متفقا عليه من قبل.

للتعرف على المخادعة اللغوية في التغطية على الانحرافات السياسية، لاحظوا معي:

أن بداية المنحدر كان عبر ما سمي لاءات الخرطوم الثلاثة، لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف، وقد اقترن ذلك برفع شعار إزالة آثار العدوان، وهذه صياغة تضليلية تحصر إزالة آثار العدوان بما صنعته القوة العسكرية سنة ١٩٦٧م فتتخلى ضمنيا عن الأرض المحتلة من قبل، والواقع أن هذا التخلي كان عبر التوقيع الرسمي على وقف إطلاق النار بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٤٢م، وهو قرار ينطلق من حدود للاحتلال تشمل من الأراضي ما خضع بالقوة للطرف اليهودي فكان يتجاوز حتى ما طرحه قرار التقسيم سنة ١٩٤٧م.

إن الموافقة سنة ١٩٦٧م على القرار رقم ٢٤٢م كانت بمثابة اعتراف ضمني بكينونة إسرائيل كدولة في الأرض المغتصبة قبل النكبة الأولى والأرض المغتصبة في الفترة ما بين النكبتين.

كانت نتائج قمة الخرطوم سنة ١٩٦٧م إذن هي البداية الأولى لما أصبح في هذه الأثناء يعرف بالتطبيع، وهي بداية صنعتها أنظمة حكم تفتقر إلى مشروعية تمثيل الشعوب عموما، وتتصرف دون مشروعية باسم شعب فلسطين بمفهوم القانون الدولي، وشعب فلسطين هو صاحب الحق الأصيل وفق القانون الدولي العام، ومن ذلك عدم المساس بحق تقرير المصير. أما تمثيل الشعب عبر جهة مفوضة من جانبه، مثل نظام حكم مشروع، فهذا التفويض مشروط دوما، ويسقط مفعوله عند تجاوز الشروط مثل الالتزام بحق تقرير المصير.

هذا من الناحية القانونية الدولية، أما سياسيا فكانت الدول العربية تعتبر نفسها حتى سنة ١٩٦٧م هي الطرف المسؤول بصورة مشتركة عن فلسطين وأرضها وشعبها، ثم بدأ التخلي السياسي فكان من محطاته سنة ١٩٧٤م قرار قمة الرباط اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد لشعب فلسطين. وهذا أسلوب لغوي تضليلي أيضا، فكان يعني واقعيا أن الدول العربية تعفي نفسها من مسؤولياتها عن القضية؛ ولكن ماذا عما صنعته بالقضية إلى ذلك الحين، وتضمن نكبات عسكرية وسياسية عديدة؟ ثم ماذا عن مواصلة التعامل مع مسار القضية سلبيا، مثل المشاركة في إخراج فصائل المقاومة الفلسطينية من لبنان وسورية، أو كمثال آخر ما كان في اتفاقات كامب ديفيد سنة ١٩٧٨م التي شملت اتفاقية حول شعب فلسطين وأرضه دون أن يشارك أحد يمثله فعليا.

هذه الاتفاقية كانت البداية المرئية مباشرة عن سلوك طريق التطبيع، وقد تجلى في خطوات تالية، مثل مبادرة قمة بيروت سنة ٢٠٠٢م.

إن مسار التطبيع مسار سياسي انتهك معطيات القانون الدولي كما انتهك مبدأ المحاسبة على ما صُنع بالقضية من قبل وأوصل إلى النكبات المتتالية.

أصبح مسار التطبيع أي التخلي عن القضية، يشمل التخلي غير المشروع عن مزيد من الأرض أي أصبح دون اشتراط مجرد وقف عملية توسيع المستوطنات اليهودية على الأقل، أي وقف قضم مزيد من الأرض الفلسطينية. وهذا ما يسري أيضا على اتفاق أوسلو من جانب منظمة التحرير، وتضمن التخلي دون تفويض قانوني عن حق المقاومة، فحذفت المنظمة من ميثاق تأسيسها جميع البنود الملزمة بالمقاومة من أجل التحرير، وهذا دون أن تعرض نص الاتفاق الأصلي أو قرار اختزاله على استفتاء مشروع، يشمل شعب فلسطين تحت الاحتلال وفي الشتات، فهو صاحب المشروعية الأصيلة لأي قرار يتعلق بمصيره ومصير أرضه.

باختصار

المعلم الأول قبل طوفان الأقصى: تزييف المسار القانوني الدولي بفلسطين وشعبها 

كان مسار النكبات مقترنا عبر مسار التطبيع، بتخلي أنظمة عربية ومنظمات فلسطينية، لا تملك مشروعية تمثيل القضية، ولكن كانت تتخلى رغم ذلك سياسيا عن أهم أسسها التاريخية والقانونية الدولية، على حساب مستقبل شعب فلسطين في الشتات وفي المعتقلات وتحت الاحتلال، ومن حيث مستقبل أرض فلسطين وتحريرها من الاغتصاب والاستيطان.

* * *

 

المعلم الثاني قبل طوفان الأقصى: تصعيد الممارسات العدوانية ضد المقدسات في عموم فلسطين

بقصد البيان والمناقشة ننطلق من وضع قائم مفروض رغم أنه ينتهك القانون الدولي، إذ يقال رسميا بوجود احتلال لبقايا أرض فلسطينية من جانب دولة إسرائيلية قائمة بحكم الأمر الواقع، وهنا نجدها قائمة على حدود مبهمة، على النقيض من مختلف الدول المعتبرة، فلا يوجد نص يعرف الحدود دستوريا، بل يصنع الحدود ويغيرها استخدام القوة غير المشروعة، ومثال ذلك القول سياسيا بوجوب الانسحاب إلى حدود ما قبل نكبة ١٩٦٧م.

ننطلق من الوضع القائم بحكم الأمر الواقع فنجد أن قواعد القانون الدولي الإنساني تقرر مسؤولية سلطة الاحتلال عن واجبات عديدة، منها تأمين حماية المقدسات ومن ذلك احترام حرية أداء الشعائر الدينية، وحظر الاستيلاء أو التدمير أو الأضرار المتعمدة للمؤسسات التعبدية وهو ما يذكر في نصوص دولية عديدة مثل نصوص المادة ٢٧ من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة ١٩٤٩م.

قبل عملية طوفان الأقصى ازداد تصعيد الانتهاكات التي لم تنقطع من قبل وشملت المقدسات الإسلامية والمسيحية وإن تركزت أكثر على الإسلامية منها، ونعلم مثلا أن انتفاضة الأقصى انطلقت ٢٠٠٠م، بعد أن أشعل شرارتها المباشرة اقتحامُ رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك آرييل شارون مع جنده لباحات المسجد الأقصى المبارك.

تضاعفت الاعتداءات والاقتحامات سنة ٢٠٢٣م، فبلغت خلال تسعة شهور سبقت طوفان الأقصى ألوف الاقتحامات التي مارسها بالمجموع ٤١ ألفا من المستوطنين بحماية الجنود الإسرائيليين، واقترن هذا التصعيد بمسلسل الإجراءات التعسفية الدائمة لمنع ارتفاع أعداد المصلين في القبلة الأولى للمسلمين.

صحيح أن الاهتمام تضاعف بسبب تعرض ثالث الحرمين الشريفين للعدوان المباشر ولكن الاعتداءات تشمل مقدسات أخرى في القدس عموما التي اغتصب الجزء الغربي منها بالقوة سنة ١٩٤٨م والجزء الشرقي سنة ١٩٦٧م، ومما شهدته قبيل طوفان الأقصى ما يسمى مسيرة الأعلام المعروفة باستفزازاتها لأهل البلاد الأصليين، وكان شعارها: الموت للعرب، كما كان من الهتافات خلالها: القدس لنا. وتطال الاعتداءات مدينة الخليل والحرم الإبراهيمي أيضا، ومن ذلك منع الأذان، وإقامة الحفلات الماجنة ورفع العلم الإسرائيلي فوق بنائه.  وسبق التنويه أن الاعتداءات تشمل المقدسات المسيحية، كتدمير كنيسة القديس بروفيروس العريقة بحي الزيتون في غزة سنة ٢٠١٤م، وإحراقُ كنيسة “جبل صهيون” في القدس سنة ٢٠١٥م، وإضرام النار في الكنيسة اليونانية سنة ٢٠١٦م.

 

باختصار:

المعلم الثاني قبل طوفان الأقصى: تصعيد الممارسات العدوانية ضد المقدسات في عموم فلسطين

انتهكت السلطات الإسرائيلية وما تزال تنتهك القوانين الدولية باعتداءاتها على المقدسات الدينية، وتشجيع المستوطنين الصهيونيين على ذلك، وهذا منذ بدأت الهجرات اليهودية لفلسطين، إذ لم ينقطع مسلسل الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية في جميع أنحاء الأراضي المغتصبة، وإن استهدفت تخصيصا المسجد الأقصى المبارك، وبواباته مثل باب العامود وباب المغاربة، ولكن الاعتداءات تضاعفت كما ونوعا خلال الشهور التسعة الأولى من سنة ٢٠٢٣م أي قبل انطلاقة طوفان الأقصى بصورة مباشرة.

* * *

المعلم الثالث قبل طوفان الأقصى: تغييب هدف إقامة دولة وحتى مجرد دويلة للفلسطينيين

ولدت قضية فلسطين اضرارا لمواجهة المشروع الغربي لزرع ثكنة غربية في القلب الفلسطيني من المنطقة العربية والإسلامية مع مشروع التجزئة والتفتيت والاستعمار المباشر،

وبدأ المشروع الغربي رسميا سنة ١٧٩٩م على لسان نابليون بونابرت بالدعوة لإقامة دولة يهودية في فلسطين، وتلاه  سنة١٨٤٠م وزير الخارجية البريطاني لورد بالمرستون ثم سنة ١٩١٧م وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور.

أما حل الدولتين فأول ما طرح كان في قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي يوم ١٣ / ٣ / ٢٠٠٢م عن رؤية مستقبلية لمنطقة توجد فيها دولتان: إسرائيلية، وفلسطينية، جنباً إلى جنب، تعيشان في حدود آمنة معترف بها. والواقع أن ذلك كان تمهيدا لشراء مواقف عربية رسمية في التحضير لاحتلال العراق بعد سنة واحدة.

أما تاريخيا فينبغي التنويه مجددا أن القانون الدولي العام شمله مفعول هيمنة القوة دوليا فأصبح يدور الحديث عن القانون الدولي التطبيقي أي ما يفرضه الواقع القائم، ولكن حتى بهذا المنطلق يسري أيضا عدم مشروعية ما صُنع إسرائيليا بأرض فلسطين، لا سيما عن طريق بناء المستوطنات أي توطين اليهود وإجلاء السكان الفلسطينيين عن الأرض قطعة بعد قطعة، بحيث لا يبقى لهم أصلا مكان لقيام دولة فلسطينية رسميا.  

لقد أكدت محكمة العدل الدولية في يوليو/ تموز عام ٢٠٠٤م عدم مشروعية بناء المستوطنات الإسرائيلية على الأرض المحتلة.

واعتمد القرار رقم ٤٤٦ الصادر عن مجلس الأمن الدولي على اتفاقية جنيف الرابعة بصفتها الأداة القانونية الدولية المطبّقة، فطالب بالكف عن تحويل السكان الإسرائيليين إلى المناطق المحتلة، أو تغيير التركيبة الديموغرافية لها.

و في عام ٢٠١٤م أعلن ١٢٦ ممثلا دوليا في المؤتمر المنعقد للأطراف العليا الموقعة على اتفاقيات جنيف أن المستوطنات غير قانونية.

ولكن لم يكن كافيا لولادة دولة فلسطينية موعودة عبر المفاوضات على امتداد ثلاثين سنة من ولادة مشروع أوسلو سنة ١٩٩٣م. إن ما يُصنع لإبادة فكرة دولة فلسطينية كان يجري على الأرض بنفس أسلوب الاغتصاب والاستيطان الذي أنشأ البذرة الإسرائيلية الأولى في فلسطين.

إن قيام دويلة فلسطينية واستمرار بناء المستوطنات نقيضان لا يجتمعان.

قبل عملية الطوفان مباشرة دفعت الحكومة الإسرائيلية بمخططات لإقامة ١٢ ألفا و٨٨٥ وحدة استيطانية في الضفة الغربية، كما أعلنت عن مناقصات لبناء ألف و٢٨٩ وحدة استيطانية، مما يرفع إجمالي عدد الوحدات إلى أكثر من ١٤ ألفا، بحسب ما نشرته حركة السلام الآن الإسرائيلية.

وسيان بما توصف السلطات الإسرائيلية فهي تعمل على اغتصاب الأراضي وتشريد الفلسطينيين من فلسطين منذ ولادة الصهيونية قبل طوفان الأقصى بقرن كامل أو أكثر، كما أنها تمارس الإبادة مع التشريد،.

وقبل الطوفان مباشرة، أي خلال الشهور التسعة الأولى من سنة ٢٠٢٣م، قتلت السلطات الإسرائيلية خلال اقتحاماتها للمدن والبلدات أكثر من ٢٢٠ فلسطينا في الضفة الغربية والقدس وغزة بينهم نحو ٤٠ طفلا و١١ امرأة.

في ظل هذه المعطيات يدور الحديث أحيانا عن حل الدولتين أي عن إقامة دولة أو دويلة فلسطينية إلى جانب الكيان الإسرائيلي المتوسع:

من لا شيء في مطلع القرن الميلادي العشرين

إلى احتلال استيطاني بنسبة عشرة في المائة من أرض فلسطين قبل نكبة ١٩٤٨م

إلى قرار أممي بالتقسيم يخصص للمستوطنين اليهود وكانوا أقل من ربع السكان ٥٥ في المائة من الأرض الجغرافية لفلسطين

إلى اغتصاب زهاء الثلثين من الأرض بالقوة أثناء نكبة ١٩٤٨م

إلى التوسع عبر المستوطنات غير المشروعة أيضا لما أصبحت عليه الحدود الحالية.

وقد قيل إن اتفاق أوسلو سيوصل للدولتين، واستمرت المفاوضات زهاء ثلاثين سنة متواصلة ولم يبق من اتفاق أوسلو نفسه شيء.

 

باختصار:

المعلم الثالث قبل طوفان الأقصى: تغييب هدف إقامة دولة وحتى مجرد دويلة للفلسطينيين

إن الحكايات والتصريحات والاتفاقات والوعود بدولة فلسطينية سبقت مسلسل النكبات وواكبته حلقة بعد حلقة، دون تنفيذ شيء منها، ولم يعد يوجد أرض تقوم عليها دولة ولا دويلة ممسوخة، وجميع ما نشأ على أرض الواقع أصبح غارقا بالدماء والدمار، من قبل عملية الطوفان، وذلك على امتداد عشرات السنين الماضية.

* * *

المعلم الرابع قبل طوفان الأقصى: مقدمات عملية طوفان الأقصى

لا يمكن فصل عملية طوفان الأقصى عما سبقها من اعتداءات واستفزازات صهيونية إسرائيلية، بدءا بما صنعه الحصار المطبق على قطاع غزة لأكثر من ١٦ سنة، وصولا إلى شن الحروب والاعتداءات العسكرية على قطاع غزة سنة ٢٠٠٨ وقد استمرّت ٢١ يوما، وسنة ٢٠١٢ وقد استمرت ثمانية أيام، وسنة ٢٠١٤ وقد استمرت خمسين يومًا، كما نشبت معركة سيف القدس عام ٢٠٢١م بعد تصعيد الاعتداءات على المسجد الأقصى واستمرت ١١ يوما، ونشبت اشتباكات عام ٢٠٢٢م واستمرت ثلاثة أيام، وتعرض قطاع غزة لغارات جوية إسرائيلية في أيار/ مايو ٢٠٢٣م.

وجاءت بعد ذلك في ٧ تشرين أول / أكتوبر٢٠٢٣م عملية الطوفان، وأعلن عنها رسميا بأنها تأتي (ردا على الانتهاكات الإسرائيلية في باحات المَسْجِدِ الأقصى المُبَارك واعتداء المُستوطنين الإسرائيليين على المُواطنين الفلسطينيين في القُدس والضّفّة والدّاخل المُحتَل).

هذه الاعتداءات لم تنقطع خلال عشرات السنين ولكنها بلغت حدا أبعد من كل ما سبق في سنة ٢٠٢٣م أي فور تشكيل أشد الحكومات الإسرائيلية تطرفا، وفق مصادر إسرائيلية وغربية، وذلك بزعامة نتنياهو وحزبه الليكود ومشاركة خمسة أحزاب صهيونية متطرفة، هي “شاس” و”يهوديت هتوراة” و”نوعام” و”الصهيونية الدينية”.

وقد ازداد التصعيد في الضفة الغربية والقدس وغزة منذ تشكيل هذه الحكومة نهاية عام ٢٠٢٢م، وسجل التصعيد أرقاما قياسية في قتل الفلسطينيين، وتدنيس مقدساتهم والاعتداء على نسائهم، وحرق بلداتهم، وردم الآبار والمجاري المائية.

كما أصدرت السلطات الصهيونية منذ مطلع ٢٠٢٣م، أكثر من ٢٦٠٠ أمر اعتقال إداري دون تهمة ولا محاكمة وبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية نحو ٥٢٠٠ أسير، منهم ٣٦ امرأة، ونحو ١٧٠ طفلا.

ومن التصريحات الرسمية الاستفزازية على سبيل المثال دون الحصر، ما كان يصدر عن وزير المالية سموتريتش المعروف بتطرفه سابقا، فبلغ بذلك دعوته في ٢٦26 فبراير/ شباط ٢٠٢٣م، خلال زيارة له في باريس إلى محو بلدة حوارة الفلسطينية، عقب هجمات شنها مئات المستوطنين عليها، وكذلك قوله من قبل في باريس أيضا، إنه “لا يوجد شيء اسمه الشعب الفلسطيني”.

إن مقدمات طوفان الأقصى تكمن أولا فيما وصل إليه الوضع في قطاع غزة وكامل فلسطين نتيجة تصعيد الاعتداءات الصهيونية والإسرائيلية، وتكمن ثانيا في نجاح المقاومة في الإعداد للعملية وما تلاها من تداعيات إعدادا بالغ الأهمية أمنيا وعسكريا واقتصاديا وتقنيا، وعن النتائج يدور الحديث إن شاء الله في اللقاء القادم تحت عنوان ما بعد طوفان الأقصى، وأشكركم على حسن الإصغاء وأعتذر إن أطلت عليكم ولكم أطيب السلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.