رؤية تحليلية – المرتزقة

همجية الغاية والوسيلة منذ القدم

من عهد الفراعنة والرومان إلى عهد الروس والأمريكان وأورام “بلاك ووتر” و”فاجنر” و”البلطجية” و”الشبيحة”

34
عمل المرتزقة محظور دوليا وأصبح الالتفاف عليه تحت عنوان منظمات أو شركات أمنية خاصة
٥:٠٠ دقائق

تمرد مجموعة فاجنر في روسيا، هو تمرد منظمة للمرتزقة، تقوم على ممارسات محظورة دوليا، ويتطلب التعامل معها ومع من يستخدمها ويدعمها وجود قضاء دولي مستقل ونزيه، وذي كلمة محترمة، وليس هذا موجودا في عالمنا المعاصر، ولن يوجد ذاك القضاء إلا بعد التخلص من هيمنة شرعة الغاب، التي تمكّن من انتشار التمييز بين فريق من المجرمين وآخر، ومثال على الوسائل المتبعة لذلك أيضا نجده في تقييد صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية منذ إنشائها.

ممارسات “المرتزقة” منتشرة منذ القدم واعتمدت على تسليح مدنيين للمشاركة في عمليات قتالية مقابل أجور مالية،. فعُرفت تشكيلات المرتزقةَ في امبراطوريات الفرس والرومان والإغريق والفراعنة، وقيل إن الفراعنة أطلقوا عليها وصف النهابين (من نهب ينهب) وذلك منذ ١٢٨٨ سنة قبل ميلاد المسيح عليه السلام، كما اشتهرت مرتزقة الهسبان في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وأطلق المؤرخون وصف “حرب المرتزقة” على حرب اندلعت سنة ٢٤١ قبل الميلاد، بقيادة ثلاثية رومانية وبربرية وغالية، واستهدفت تونس على خلفية صراع طويل الأمد بين الرومان وقرطاجة.

أما حديثا فوجدت ممارسات المرتزقة مواجهتها منذ سنة ١٩٧٧م في ملحق أضيف إلى اتفاقيات جنيف من ١٩٤٩م، وحددت المادة ٤٧ منه تعريفَ “المرتزقة” في ستة أصناف، ملخصها تجنيد شخص مدني وتسليحه ليمارس داخل الحدود أو خارجها أعمالا عدائية لتحصيل المال أو حبّا في المغامرة، ولا يكون تكليفه في نطاق قوات مسلحة نظامية.

وفي كانون الأول / ديسمبر سنة / ١٩٨٩م أصدرت الأمم المتحدة اتفاقية دولية جرّمت كل مرتزق وكل من يقوم بتجنيد المرتزقة أو استخدامهم أو تمويلهم، وحظرت على الدول ذلك أيضا.

ومجمل ما تقول به النصوص القانونية الدولية هو أن المرتزقة أشخاص مستأجَرون بالمال فهم يقاتلون بعيدا عن المصالح المعتبرة، السياسية والإنسانية والأخلاقية؛ ولا يسري عليهم التعامل بقوانين دولية لحالة الحرب، فهم مدنيون يشاركون في القتال خارج المشروعية الدولية.

عمل المرتزقة محظور دوليا إذن، إنما أصبح الالتفاف عليه تحت عنوان منظمات أو “شركات أمنية خاصة”، وصلة الأجهزة السياسية الرسمية بمنظمات المرتزقة تلك صلة وثيقة ودائمة، وهذا ما يعزز من شهرة بعضها، مثل منظمة “بلاك ووتر” الأمريكية، وتعود شهرتها إلى العفو عما انكشف من أفاعيلها الإجرامية في حرب احتلال أفغانستان ثم حرب احتلال العراق. وقد تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٩٩٧م، بينما تأسست شركة فاجنر الروسية سنة ٢٠١٤م وتعود شهرتها إلى التعاون العلني بينها وبين قيادات الدولة الروسية، واشتهرت بأفاعيلها الإجرامية في سورية أولا لقمع الثورة الشعبية، كما نشرت لأداء المهام القذرة في أكثر من بلد إفريقي، لا سيما في ليبيا.

معظم ما انتشر سوى ذلك كان تقليدا للوسيلة نفسها من حيث التمكين من ارتكاب أعمال إجرامية دون محاسبة عليها. وهذا ما تندرج تحته تشكيلات البلطجية في مصر والبلاطجة في اليمن والشبيحة في سورية وجميعها وأمثالها تولى المهام القذرة ضمن حملات قمع الثورات الشعبية التي انطلقت آخر عام ٢٠١٠م.

وأستودعكم الله كما أستودعه شعوبنا وبلادنا وجنس الإنسان ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب

التعليقات مغلقة.