خواطر – معذرة.. كل عام وأنتم بخير

الاحتفال بالأعياد واجب وضرورة وحاجة إنسانية، مثل التأثر بالمآسي والعمل الدائب لخدمة القضايا العادلة

لا نتجاهل المآسي ولا الأعياد، بل يجب أن نرتفع بأنفسنا لنكون مؤهلين للتعامل مع ما ينشر البسمة وما يحدّ من المآسي

0 224
ضياع التوازن بين إعطاء الأعياد حقها دون تقصير، والمآسي حقها دون تقصير
٤:٠٠ دقائق
التسجيل الصوتي للموضوع

النص الكامل للموضوع

من يتابع الكمّ الكبير من التهاني المتبادلة شبكيا في الأعياد يرصد قسطا من مشاعر الحرج عند من يجمعون بين الاهتمام بالقضايا المعاصرة وما تنطوي عليه من المآسي، وبين الحرص على احتفاظ أعيادنا ببهجتها في الحقبة التاريخية الراهنة.

وينعكس الحرج في طريقة التحية مع العيد، وابتكار تعابير جديدة للتهنئة، وأحيانا الحرص أن تتضمن المباركة بالعيد كلمات أقرب للتعزية والمواساة، أو كلمات التذكير بالعمل والصمود والإباء.

من ذلك مثلا:

(نبادلكم التبريكات.. ولا يسعنا إلا قول: عيدنا يوم عودتنا)

(جزاكم الله خيرا وشكر لكم، وأعاده على الأمة بحال غير الحال التي هي فيه)

(بارك الله فيكم، وعيد مبارك سعيد عليكم وعلى أسرتكم الكريمة وعلى الأمة الإسلامية والإنسانية المتشوقة لغد أفضل).

كما يوجد من يحرص على بيان معاني الفرحة والبهجة أيام العيد، مع تجنّب ما يذكر بالمآسي، وإن كانت متواصلة أيام العيد وقبلها وبعدها.

هي إذن وجهات نظر للتعامل مع أيام العيد، ولا يشمل ذلك فريقاً غافلا من الأصل عن القضايا المصيرية والمآسي الدامية، في العيد، وخارج أيام العيد، وكأنه يرجو أن تمرّ على عتبات بيته دون أن تقتحم الأبواب والجدران، وذاك مستحيل!

لا يصح الظنّ بوجود تناقض حقيقي بين لسان العاطفة ولسان العقل، بل هو التكامل بين هذا وذاك، فكلاهما جزء من تكوين الإنسان، وجزء من صناعة الحدث.

إن الاحتفال بالأعياد بالبهجة والمسرات واجب وضرورة وحاجة إنسانية، وكذلك التأثر بالمآسي ونصرة الضحايا والعمل الدائب لخدمة القضايا العادلة.

وإن التذكير الهادف بأيام الانتصارات الكبرى لا يكتمل مفعوله ضمن منهج شامل، دون أن يقترن بالتذكير بأيام الانكسارات قديما وحديثا وحالات الاقتتال المفجعة بين عرب وعرب ومسلمين ومسلمين.

ليست المشكلة فيما نحسبه تناقضا بين أفراح الأعياد ودموع المآسي، إنما المشكلة هي في التناقض القائم والعميق بين واقعنا المشهود بكل جوانبه الإيجابية والسلبية، وبين ما يقتضي منا أن نصنعه للنهوض بأنفسنا وبلادنا وشعوبنا وبالبشرية إلى واقع أفضل.

لن يكون جيل أطفالنا قادرا من بعد رحيلنا على صنع ما عجزنا عن صنعه، إذا سقطت مناهج التعليم والتوعية في ترف المبالغة في حجب كل ما يثير حزنا في عيونهم وقلوبهم -لأنهم أطفالنا- تجاه أقرانهم ممّن هم تحت تأثير التخلف والتشريد والقمع؛ أو ليس أولئك “أطفالنا” أيضا؟

كذلك لن يتحقق المطلوب عبر المبالغة في تجنب الفرحة والبسمة في أعينهم، في الأعياد وخارج أيام الأعياد، جنبا إلى جنب مع العمل على تجنّب ما يلحق الضرر بتكوين قلوبهم وعقولهم وتوازن شخصيتهم وتفكيرهم.

المشكلة هي ضياع التوازن بين إعطاء الأعياد حقها دون تقصير، والمآسي حقها دون تقصير، لتتحول فرحة الأعياد وتتحول دموع المآسي على السواء، إلى منابع طاقة إضافية تصنع التغيير على الطريق الصحيح، وتدعم التطوير حتى نصل بأنفسنا وبمجتمعاتنا وشعوبنا ودولنا إلى حالة متوازنة، لا يبقى فيها أثر للحرج، ولا يشعر أحدنا وكأنه ينبغي أن يعتذر، عندما يقول بعضنا لبعضنا: كل عام وأنتم بخير.

وأستودعكم الله مع أطيب السلام من نبيل شبيب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.