خواطر – بعد قرن من تغييب الخلافة

لا يصنع المستقبل عبر اغتيال التاريخ

الإرث المعرفي التاريخي يدعم الجهود المنهجية لبناء عصر حضاري جديد

0 12
٥:٥٠ دقيقة

مضى في السابع والعشرين من رجب عام ١٤٤٢هـ قرن هجري كامل ومضى في الثالث من آذار / مارس ٢٠٢٤م قرن ميلادي كامل على تغييب نظام الخلافة بصيغته العثمانية الأخيرة، التي بدأت عام ١٢٩٩م بمؤسس الدولة عثمان الأول، وأصبحت السلطنة عام ١٥١٢م خلافة مع سليم الأول.

أما تغييب نظام الخلافة فكان عبر مرسوم صادر باسم الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا، في إطار تداعيات صنعتها:

(١) سلسلة من الحروب والتحركات دوليا، أبرزها الحرب العالمية الأولى، وما تقرر بعدها في مؤتمر لندن ١٩١٥م لتجزئة الأراضي العثمانية والسيطرة عليها، ثم مؤتمر لوزان لدعم الدولة العلمانية التركية البديلة على حساب ما بقي من مظاهر شكلية للدولة العثمانية.

(٢) سلسلة التحركات العسكرية والسياسية داخل الدولة العثمانية، أبرزها الإعلان عن إلغاء نظام السلطنة في مطلع تشرين الثاني / نوفمبر ١٩٢٢م، وترسيخ النظام الجمهوري تحت سيطرة عسكرية علمانية من جانب الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا، وهي التي أسسها القائد العسكري مصطفى كمال (أتاتورك) لتنبثق عنها حكومة في أنقرة بديلة عن الحكومة العثمانية في إسطنبول.

وكان محمد السادس، آخر الخلفاء / السلاطين العثمانيين، قد غادر البلاد في ١٧ / ١١ / ١٩٢٢م، وبدأ العهد الجمهوري برئاسة مصطفى كمال سنة ١٩٢٣م، حتى وفاته عام ١٩٣٨م.

أما الدولة العثمانية فظهرت معالمها الأولى في عهد مؤسسها عثمان (توفي ١٣٢٦م) وتوسعت الدولة في البلقان جغرافيا ووصلت إلى وسط أوروبا، وولدت ولادتها الثانية عبر فتح القسطنطينية عام ١٤٥٣م، فبلغت أوج توسعها الجغرافي في ثلاث قارات ما بين عهد محمد الفاتح وعهد سليمان القانوني.

* * *

استمرت السلطنة فالخلافة العثمانية حوالي ستة قرون، ولكن ما الذي وقع خلال قرن واحد بعد تغييبها؟

يوجد مليار وتسعمائة مليون مسلم، ويوجد ٥٧ دولة عضوا في منظمة التعاون الإسلامي، ولكن واقعها السياسي والاقتصادي والعسكري والتقني يجعلها ضعيفة التأثير دوليا، لا تستطيع حتى الدفاع عن مصالحها الذاتية ناهيك عن تقديم العون لبعضها بعضا في مواجهة الكوارث والنكبات، بل أصبح نداء (وامعتصماه) ينطلق في المآسي الفردية والجماعية اليومية في قضايا عديدة كقضية فلسطين، وقضية كشمير، وقضية سورية، وقضية تركستان الشرقية، ولكن لا يجد سوى أصداء التندر أو الألم.

طوال القرن الأول بعد تغييب الخلافة دولة ورمزا، أصبحت الأقليات الإسلامية في بلدان غير إسلامية سكانا لا تجد النصير وهي تواجه أشد المظالم كما في الصين والهند والاتحاد الروسي، بل يواجه معظم البلدان الإسلامية من حيث الغالبية السكانية أوبئة الهيمنة الأجنبية والاستغلال الأجنبي، هذا علاوة على أنها أصبحت موطنا للتخلف والمرض، والفقر والبطر، والجهل والحرمان، وانتهاك الحقوق المعنوية والمادية، أكثر من سواها من بلدان العالم.

* * *

ليست القضية قضية الحسرة على مجد عثماني قديم وإن اختلف تصويره بالمنظور التاريخي والديني، ولكن لا ينبغي التهوين من شأن تغييب بعض الإنصاف بصدده، حتى في المناهج الدراسية التي يفترض أن تكون علمية بمقياس حيادي في البحث والتأريخ، ناهيك عن التغييب الثقافي والمعرفي والفني مما يعني بتر واقع الأمة عن ماضيها، وواقع الفرد من الأمة عن المفعول الوجداني والمعرفي التاريخي ليتحرك على طريق استئناف مسيرة صناعة المستقبل في الاتجاه الصحيح، وقد يسفر المستقبل عن وجه آخر غير الوجه العثماني أو العباسي أو الأموي، إنما لا يمكن صناعة أي وجه حضاري للمستقبل مع البتر بينه وبين الماضي الذي عرفته الأمة من قبل، ولا يمكن أن تشارك في تغييب الأمل في أن يصنع جيل المستقبل ما يليق به وبأمته مستقبلا.

وأستودعكم الله وأستودعه جيل المستقبل وتاريخنا المجيد ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.