تحليل – ثورة سورية وعنق الزجاجة الدولية

بين حالة الاختناق وحالة الانعتاق

يدور الحديث عن حدث يصنع التاريخ ويستحيل الرجوع بعقارب ساعة التاريخ إلى الوراء

0 29

تنتشر مقولات اليأس والتيئيس من النصر مثلما تنتشر مقولات تؤكد أن النصر قادم على كل حال، ونعلم جميعا أو نستشعر أن مسار الثورة الشعبية في سورية وصل إلى عنق زجاجة، وغالبا ما نعزو ذلك إلى تراكم جهود دولية مضادة ومتواصلة منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة، إنما يوجد من يستعرض الأسباب الذاتية أيضا، إما موضوعيا، وهو ما نحتاج إليه، أو بأسلوب جلد الذات، وهذا مرفوض لا سيما عندما لا يقترن بالبحث عن الدواء بعد التشخيص.

ولكن ما المقصود بعنق الزجاجة؟ أو بتعبير أوضح: ما طبيعة الصراع الدائر منذ اندلاع الثورة الشعبية وأين نحن من مجراه؟

 

أولا- الصراع صراع القوة المسلحة

ومنذ البداية كانت الثورة في موقع الطرف الأضعف عسكريا، أنجزت الكثير ولكن –إضافة إلى مشكلات معروفة، مثل التعددية السلبية– كان خداع النفس كبيرا أيضا:

(١) من حيث الاستغراق في تحرير مناطق مأهولة كبرى مع استحالة ضمان الاحتفاظ بها لتصبح محررة حقا عبر تأمين متطلبات خدمات احتياجاتها حِرَفيا، وهو شبه مستحيل ضمن ظروف الثورة.

(٢) من حيث الطرح التعددي المبكر لتصورات ما بعد الحسم العسكري، دون امتلاك أسباب الحسم فعلا، وهذا ما أنهك نسيج وحدة مسار الثورة.

ثانيا- الصراع صراع القوة التمويلية

ومن البداية كان الخطأ متجليا في ربط كثير من مسارات الثورة واحتياجاتها بمصادر تمويل خارجية لا يوجد ما يضمن أنها تريد فعلا انتصار الثورة الشعبية دون تغيير وجهها الشعبي ووجهتها، أو تريد ولا تستطيع لأن تلك المصادر ليست سيدة نفسها وقرارها وقدراتها للدعم المتواصل على الأقل، فتحول هذا الصراع التمويلي إلى مسار استنزاف وأصبحت شروطه مسألة حياة أو موت، وبدأت إشكالية التمويل تساهم في خنق الثورة موضعيا لتصل إلى عنق الزجاجة حاليا.

ثالثا- الصراع صراع القوة السياسية

وهنا مكمن خطأ ذاتي كبير، فإلى جانب تحرك المخلصين بدأ سباق من لم يزرعوا بذرة الثورة على قطف ثمرةٍ توهموا سرعة نضوجها، فأصبح صغيرُ التجمعات أشباحا في عالم افتراضي، وأصبحت التشكيلات المتضخمة والمضخمة على هامش صناعة القرار السياسي، يتم اقتيادهم أو تجاوزهم.

رابعا- الصراع صراع القوة العقدية والمبدئية

 وموقع هذه القوة هو الشعب الثائر، وليس الاتجاهات والجماعات والتنظيمات وما يتشبه بها، حيث يطغى التعصب لاجتهادات تفصيلية وأحيانا منحرفة، وتنتهك القواسم المشتركة وهي ما صنع تجانس الشعب الثائر، المستهدف بالضربات للقضاء على قوته العقدية والمبدئية تقتيلا وتنكيلا وتشريدا وحصارا وتجويعا، دون وجود رادع، يفترض أن النخب السياسية والفكرية والإعلامية والعسكرية تحمل مسؤولية إيجاده، فتنامى الشرخ بين تلك النخب ومسار الثورة نفسه.

خامسا- الصراع صراع القوة الفكرية والإستراتيجية

أي التصور والتخطيط، وقد أسرفنا من البداية في الانتقاد أو التهجم -بحق ودون حق- على المفكرين والعلماء والدعاة فساهمنا في اغتيال أدوارهم وعطاءاتهم. ولئن حق للشعب أن يثور شعبيا دون فكر وتخطيط مسبق، فإن حصيلة القصور والانحراف في ساحة الصراع الفكرية، تتجلّى بقوة في استمرار افتقارنا طويلا إلى رؤية ومخطط وعقد عمل مشترك، بينما أصبح بين أيدينا عشرات الوثائق الانفرادية وكل فريق من أصحابها يدعي أنه يملك هو الوصفة السحرية دون سواه.

سادسا- الصراع صراع القوة الإعلامية

وصراع قوة شبكات التواصل الخارجية… وصراع الإدارة والتخصص والتكامل… وغير ذلك كثير، ولا يتسع المجال لمزيد من الملاحظات على كل ساحة صراع على حدة، إذ فقدنا المناعة لمواجهة فيروسات العمل المضاد للثورة، لدرجة إقناعنا مثلا بأننا قوم لا نقرأ، وإن قرأنا فسطورا معدودة، ومن يفعل ذلك فقط هيهات أن يساهم في تشييد صرح تغيير جذري حضاري.

* * *

في مواجهة عنق الزجاجة الدولية، أو ونحن داخلها، إذا اعتبرنا أنفسنا قوى الثورة، ممارسة أو دعما، في الداخل والخارج، فقد شاركنا من حيث ندري أو لا ندري في التمكين من صناعة زجاجة الاغتيال الدولية لهذه للثورة التغييرية الشعبية، فقد أصبحنا جميعا نستشعر خطر الاختناق فيها، والمفروض أن نبصر بعد خبرات المحنة الشديدة طريق الانعتاق مما حشر أنفسنا في لحد الاختناق أو الخشية من الاختناق.

والمنطلق: هذه ثورة تاريخية تغييرية، من وراء الحدود الزمنية لوجودنا أفرادا وتجمعات؛ لهذا كانت وستبقى عصية على الاختناق عبر إجرام أعدائها، وليست عصية على الانعتاق من قصور أهلها.

كيف؟

ليس استشراف المستقبل سهلا، وقد يشرح المقصود اتباع الأسلوب البرقي في سرد عبارات مركزة وترتيبها.

١- عند الحديث عن ثورة تغييرية لا تعني عبارة الاختناق في عنق الزجاجة لحظة زمنية وتمضي، أو حالة مفاجئة وتنقضي، بل هي عملية سيولية جارية، أدّى إليها ما سبقها، ويؤثر ما يصنع خلالها على ما يليها.

٢- القوى الدولية الممسكة بعنق الزجاجة كانت تاريخيا وما تزال مستمرة على عدائها للشعوب، وشهدت سنوات الثورة في سورية (وأخواتها) أن تبدل صياغة التصريحات والمواقف لا يبدّل العداء من حيث جوهره.

٣- لا يصح إذن التوهم بأنه سينقطع العداء فهذا يعني القبول بتحرر إرادة الشعوب، وهذا القبول مستحيل لأن تحرير إرادة الشعوب هو الحد الفاصل بين الاستبداد والسيادة، بين الهيمنة والاستقلال، بين الاستغلال والعدالة.

٤- لن تتوقف القوى المعادية عن عدائها إلا مرغمة، ولا يرغم العدو على قطع عدائه إلا بعد أن يتحقق من مسار التغيير الثوري قدرٌ كافٍ يجعله تمكينا في الأرض وليس مجرد حالة عابرة.

٥- سيستمر العداء استبدادا وهيمنة واستغلالا إذا انحرفت الثورات الشعبية أو المجتمعية نحو حلول وسطية، فهذا الانحراف أو الانقطاع لا يوصل إلى شرط التمكين.

٦- لن يعتق طاغية عبدا إذا رضي لنفسه أن يمسك بناصيته، فمن أراد الانعتاق لا سبيل له سوى تحرير ناصيته رغم الطاغية، وليس عبر “أخذ الإذن” منه، مهما بلغت قوته.

٧- هل تؤدي اللحظة الحاضرة من المسار إلى اختناق الثورة نفسها، وتصيب النتائج جيل الشبيبة الذي أطلقها من عقالها؟ هذا احتمال قائم.  

٨- الاحتمال الآخر هو أن تؤدي لحظة الاختناق التاريخية إلى ضغوط تفجر طاقة متجددة لتجاوز حاضر الثورة المتردي، للانعتاق من أغلال “وضعنا الذاتي”.

٩- الحصيلة: تجدد الاستبداد والهيمنة هو الوجه الآخر من ميدالية الحدث التاريخي، ولا يتحقق إلا مع الوجه الأول، أي انقطاع المسار الثوري التغييري.

١٠- نجاح القوى الدولية المهيمنة يعني صناعة أوضاع جديدة من نسيج الفوضى الهدامة، سواء بدولة أو دويلات، هشة أو متماسكة، ممزقة النسيج أو موحدة، سيان، فالمهم هو استئناف دور النظام المحلي والإقليمي الساقط في نطاق معادلة التبعية والهيمنة.

١١- تلك حالة الاختناق في عنق الزجاجة حاليا، وأول ما تصيب مَن ظهروا في مواقع نخب سياسية ومسلحة وتمويلية وفكرية وإعلامية، وليس السبب حجم العداء الخارجي بل عدم الارتقاء الذاتي إلى مستوى حدث تغييري تاريخي، صنعه وما زال يصنعه شعب ثائر عبر تضحيات كبرى ومعاناة مستمرة.

١٢- لهذا يقال مجازا إن الثورة في حاجة إلى دماء جديدة حتى يتحقق التغيير.

١٣- لم نشهد على أرض واقعنا حتى الآن تغييرا حقيقيا للدماء في شرايين مواقع القرار والقيادة والريادة، سياسة وفكرا وتخطيطا وكفاءة وتخصصا وعملا في مختلف الميادين بما في ذلك ساحات المواجهة بالقوة، ولا يواري ذلك وجود دعوات متفرقة، وخطوات جزئية خجولة، أو محاولات مكشوفة لستر ما سبق كشفه من قصور أو خطأ أو انحراف أو تمزق واقتتال.  

١٤- يغرقنا العدو حاليا في عملية الاختناق، عبر سفك دماء الشعب الثائر بلا حساب، الصامد بلا حدود، على مذابح المعاناة اليومية بلا نهاية، والمطلوب خروج الغرقى جميعا ومعا من عنق الزجاجة الدولية بقوة كبرى.  

١٥- ليست المسألة هنا نريد ونستطيع أم لا، فالحديث لا يدور عن أنفسنا بل عن حدث يصنع التاريخ ويستحيل الرجوع بعقارب ساعة التاريخ ومجراه إلى الوراء.  

١٦- بلسان التاريخ والحدث التاريخي: هل نحقق نحن الانعتاق أم لا؟ وبلسان من يعايش الحدث: متى يتحقق الانعتاق، ومن يحققه؟

١٧- الاعتراض غالبا: حالنا لا يدعو إلى تفاؤل ولا يصلح لرؤية فاعلة على أرض الواقع، وهذا اعتراض محق من حيث الأساس، والمنطلق خاطئ فليس السؤال: هل نتابع نحن الطريق؟

١٨- حالنا المتردي في عنق الزجاجة يقول: لن نولد (نحن) من جديد لنكون نحن الثورة قولا وفعلا، شعارا وتصورا، قتالا وتخطيطا، توبة وتوحدا؛ الأرجح أن نرحل (نحن) عن الساحة، جنبا إلى جنب مع من اهترأ من أذرع أخطبوط الاستبداد والهيمنة.

١٩- بنا وبدوننا يبقى السؤال: متى يكون الانعتاق؟ ومن يتخذ قرار متابعة الطريق ويأخذ بأسباب تنفيذه، هو القادر على الجواب متى يكون الانعتاق.

٢٠- اعتراض آخر: لا نرى من يمكن أن يصنع ذلك؛ صحيح، فلنذكر أننا أو معظمنا لم نكن ندري ولا نرى ولا نتفاءل قبل سنوات معدودات أيضا كيف ومتى ستطلق شعوبنا ثوراتها، وقد أطلقت ثورات تاريخية، وعلينا أن ندرك أنها ليست تاريخية من حيث انطلاقها فحسب، بل لأنها تاريخية تغييرية، من وراء الحدود الزمنية لوجودنا أفرادا وتجمعات.

٢١- لهذا كانت ثوراتنا الشعبية وستبقى عصية على الاختناق عبر إجرام أعدائها، وليست عصية على الانعتاق من قصور أهلها.

وأستودعكم الله وأستودعه جيل المستقبل والتغيير، ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.