تحليل – التفاوض باسم الثورة الشعبية في سورية

شروط التفاوض لتحقيق الأهداف الشعبية الثورية ومؤهلات المفاوض حولها

49
مفاوضات جنيف حول سورية

ــــــــــ

ابتداء لا يوجد في العلوم السياسية ولا في قاموس الثورات “حل سياسي” للثورة، فهذا تعبير اصطلاحي يخص الأزمات السياسية وليست الثورة أزمة بين طرفين سياسيين يتفاوضان على حلها، بل ثورة شعب يستعيد سيادته على مصيره، ويلغي مشروعية أي سلطة قائمة، بما في ذلك سلطة استبداد فاقد للمشروعية أصلا.

إنما أصبحت ثورة سورية توصف بالأزمة لغايات أخرى لدى قوى خارجية تريد التصرف بها ويتناقض ما تريده مع واقع الثورة، الذي يتجسد في انفجار الإرادة الشعبية ضد التسلط الاستبدادي، ولئن أخمدت الثورة بالقوة الباطلة أو بحل سياسي مزعوم، فستنفجر مجددا بعد حين.

ـ ـ ـ

هذا لا يعني إنكار وجود “وسيلة” التفاوض وقابلية أن تستخدمها الثورة لتحقيق أهدافها إذا توافرت معطيات مواتية وشروط ضرورية لترجيح جدوى هذه الوسيلة.

ليس التفاوض مرفوضا بحد ذاته إذن إنما هو وسيلة بشروط معينة.
ولكن يوجد من يرفضون التفاوض من حيث الأساس والاتهامات تجاههم جاهزة: متشددون، مثاليون، مرفّهون في المنافي، يخاطرون باستمرار المعاناة، يقطعون حبال التواصل مع القوى “الصديقة”، إلى آخره، وبعيدا عن الاتهامات يمكن مع الإخلاص للثورة والالتزام بها، أن يرفض المرء انطلاقا من الاقتناع بأن التفاوض لن يوصل إلى تحقيق الأهداف الشعبية الثورية.

ويوجد أيضا من يظهرون استعدادا للمشاركة في حلبة المفاوضات، والاتهامات تجاههم جاهزة أيضا: خيانة، تفريط، مصالح نفعية، إلى آخره، وغالبا ما يؤكدون بالمقابل أنهم يفاوضون ولكن لا يتخلون عن تحقيق الأهداف الشعبية الثورية.

إن تحول الاختلاف بشأن وسيلة التفاوض إلى نزاعات داخلية أخطر من المشاركة في المفاوضات أو مقاطعتها، إنما الأصل هو العودة دوما إلى معايير لاتخاذ القرار، ومحورها هو “الأهداف الشعبية الثورية” فوفق ذلك تتحدد الوسائل.

ـ ـ ـ

يبدو الخلل قائما أيضا فيما يطرح من حجج وردود، فمن حجج مؤيدي التفاوض: بلغت المعاناة حدا لا يحتمل، يجب تقديم تنازل مقابل أهداف مرحلية، القوى المتنفذة لا تسمح بحل عسكري، نحن لا نملك قرارنا بعد تدويل قضية سورية.
ومن الردود: منحدر التنازل يبدأ بخطوة، الحلول الوسطية لا تنهي المعاناة، منطق الثورات التغييرية هو الانطلاق من موقع الضعف وليس الخضوع للإرادة الخارجية، ولا يمكن القبول باغتيال الثورة والانتقال من استبداد إلى استبداد.

لقد ابتعد الجدل عن جوهر مسألة التفاوض: جدوى استخدامه وسيلة لتحقيق هدف، فقيمة وسيلة التفاوض مرتبطة بالقدرة على توجيه مجراه، وهذا ما يتطلب ردم الفجوة بين الميداني والسياسي.

الإشكالية كامنة في عدم رؤية معطيات وشروط، ذاتية وخارجية، أو عدم وجودها، لهذا لا يفيد السؤال: هل نفاوض أم لا؟ بل ينبغي السؤال: ماهي الجدوى من التفاوض، فإن تقرر وجب بوجود الكفاءة المناسبة، فإن لم يوجد وجب العمل لإيجادها.

من ذلك القدرة على عدم تقديم “ثمن” في المفاوضات على حساب أهداف أساسية هي بمنزلة الثوابت أو الخطوط الثورية الحمر، ومن ذلك أن يصبّ ما تحصل عليه الثورة عبر التفاوض في صالح الشعب والوطن، وليس لصالح فئة ما من أطراف المفاوضات أو خارج نطاقها.
ويعني هذا الطريق بذل جهود هادفة ضمن تواصل دائم لتغليب التلاقي العملي على مطالب الثورة، ضمن رؤية مستقبلية ومحددات واقعية ومخطط يوصل إلى الأهداف المطلوبة.

هذا مشروط بتقديم القواسم المشتركة الكبرى على أهداف مستقبلية تفصيلية تختلف باختلاف التوجهات، ولا طريق لتحقيقها قبل استقرار مرحلة انتقالية نحو دولة دستورية ليمكن “التنافس” في إطارها على تأييد الإرادة الشعبية في مرحلة البناء.
وهذا بدوره مشروط بالتوافق على قواعد أساسية ملزمة للتعامل بين مكونات الشعب واتجاهاته المتعددة، والكف فعلا لا شعارا مزعوما عن ممارسات الإقصاء.

الحصيلة:
إن الأخذ بوسيلة “التفاوض” دون التنكب عن “الثورة”، لا يعني استعجاله، بل يفرض بذل الجهود على “جبهة الثورة والشعب والوطن” وهي جبهة تشمل عناصر الميدان، والسياسة، والتمويل، والإعلام، والتخطيط، والطرح الفكري، ولا يفيد التفاوض دون تكاملها واستقواء بعضها ببعضها الآخر.

والمطلوب لهذا الغرض:
أولا: الانطلاق من مشروعية الثورة الشعبية واستحالة العودة عنها
ثانيا: تعزيز القواسم المشتركة بين كافة من يخدم الثورة والشعب والوطن
ثالثا: التحرك بمخطط مدروس ضمن إطار زمني واقعي

والله ولي التوفيق

نبيل شبيب

التعليقات مغلقة.