تحليل – إضرام الحريق في الأقصى الأسير

يوم ٢١ / ٨ / ١٩٦٩م

لا نزال بعيدين عن العمل لتحقيق الأمل، ولا نزال يلسعنا لهب الحريق في كلّ مكان

35
بيت المقدس والأقصى

كم ذا نردّد القصص التاريخية مؤكّدين أنّ الأمل بالتحرير ينتقل من جيل إلى جيل إلى جيل، حتى يتحقق الأمل. إنّما لا نزال بعيدين عن العمل لتحقيق الأمل، ولا نزال يلسعنا لهب الحريق في كلّ مكان من بلادنا ويكاد يحرق الأمل، وهو ممّا أضرمه الأعداء وممّا أضرمناه بأيدينا، وما نزال أسرى قيود الاغتصاب والاحتلال والعدوان، وأسرى أغلال ذاتية نصنعها بأنفسنا لأنفسنا، ونضعها بأيدينا على أعناقنا ومعاصمنا وأرجلنا، بل ونعضّ عليها بالنواجذ، لاستبقائها لا لتقطيعها!!

عندما أُضرم الحريق في المسجد الأقصى المبارك سارعت الدول الإسلامية إلى تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي (وتحمل في هذه الأثناء اسم منظمة التعاون الإسلامي.. دون أن يتحقق تعاون حقيقي مستدام) كما عمدت إلى تشكيل “لجنة القدس”، ومضت السنون والعقود المتوالية من حياة جيل كامل، أو أكثر، ولم تسلك المنظمة ولا اللجنة ولا الدول الإسلامية طريق التحرير.

في هذه الأثناء وُضع في المسجد الأقصى المبارك الأسير منبرٌ صُنع طبق الأصل عن منبر صلاح الدين المحترق، ولكن لم تضعه “يد صلاح الدين”، وبتعبير أصحّ: لم تضعه أيدي من يسيرون على درب صلاح الدين، ولا اقترن وضعه بإقامة صلاة الجمعة الأولى بعد التحرير كما كان يوم (٢٧ رجب ٥٨٣هـ) بل اقترن بطرح المزيد من المبادرات على طريق لم تعرف عبر تلك المبادرات سوى المضيّ بقضية فلسطين في اتجاه التصفية، وبالمنطقة من خلال ذلك في اتجاه الدمار، وبالمقدسات إلى ألسنة اللهيب أو أسنان الجرّافات.

إنّ طريق التحرير يبدأ بتحرير أنفسنا من قيودنا الذاتية، ومن التبعية الأجنبية، ومن تخلّفنا وتفرّقنا وانشغالنا بالصغائر والتفاهات والمعارك الجانبية، ومن استعانة بعضنا على بعضنا الآخر بأعدائنا، ومن بذل الجهود في إيقاد مختلف الفتن، أضعاف ما يمكن بذله من جهود في طريق إصلاح حقيقي، وتحرير أنفسنا أيضا من استعداد دولنا لربط أمننا الغذائي وأمننا العسكري وحتى أمن حكوماتها الذاتي، بالقوى الدولية وبمنظمات “الأمن” الخاصة المستوردة مع مختلف ما نستورد منها، وتفضيل ذلك على التعاون مع الأخ والجار والصديق، وتفضيله أيضا على الالتحام بالشعوب حقا لا شعارا فارغ المضمون، للخروج من أفلاك الهيمنة والتبعية والابتزازات المترتبة على تلك الارتباطات المشينة.

إن المسؤولية عن سلوك طريق التحرير تقع على عاتق الأنظمة أولا، إنّما يمكن أن يبدأ عن طريق الأفراد أيضا، ثمّ يمكن أن يوصلنا أو يوصل جيلا مقبلا إلى التحرير إذا ما توافرت الشروط.. توافر الإيمان والإخلاص والتخطيط والعمل والتعبئة، وتوافر التعاون والتضامن والتكتل.

سلوك طريق التحرير في أيدينا أولا، ومن السذاجة بمكان الادّعاء أنّنا لا نستطيع تحرير أنفسنا من قيودنا الذاتية إلاّ إذا توقّف أعداؤنا عن الإمساك بزمام أمورنا وصناعة قرارنا داخل عواصم بلادنا، والقائلون بذلك يعلمون أنّ الأعداء لن يتوقفوا من تلقاء أنفسهم عن ممارسة عدائهم، وسيبقى تحرير الإرادة والقرار وتحرير الأرض والمصير أمرين متكاملين متوازيين، لا يتحقّق أحدهما دون الآخر، ومن المستحيل أن يتخلّى عدوّ عن ناصيتنا، ما لم نملك نحن أنفسنا بأنفسنا ونملك رفع هاماتنا، ونملك العزيمة لدفعه دفعا وبكل وسيلة ممكنة، إلى التخلي والتراجع راغما.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب

 

التعليقات مغلقة.